صديق الحسيني القنوجي البخاري
243
فتح البيان في مقاصد القرآن
به فرضا عليه أو نقلا فقيل الأمر للوجوب ، وكان واجبا عليه وعلى أمته ، بل وعلى سائر الأنبياء قبله ، وأول ما فرض عليه صلى اللّه عليه وسلم بعد الدعاء والإنذار قيام الليل ، قال القرطبي ؛ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضا عليه صلى اللّه عليه وسلم وحده أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء أو عليه وعلى أمته ، ثلاثة أقوال : الأول قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب له ، والثاني قول ابن عباس ، والثالث قول عائشة وابن عباس أيضا . كذا في الخطيب والخازن وغيرهما . والعامة على كسر الميم لالتقاء الساكنين ، وأبو السماك يضمها اتباعا لحركة القاف ، وقرىء بفتحها طلبا للخفة ، قال أبو الفتح والغرض الهرب من التقاء الساكنين فبأي حركة حرك الأول حصل الغرض . قلت : إلا أن الأصل الكسر لدليل ذكره النحويون ، والليل ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه ، هذا قول البصريين ، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولا به . أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة : « أنبئيني عن قيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قالت : ألست تقرأ هذه السورة يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قلت بلى ، قالت فإن اللّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم ، وأمسك اللّه خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا . ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، وصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضه » « 1 » وقد روي هذا الحديث عنها من طرق . وعن ابن عباس قال : « لما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة » أخرجه البيهقي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم ، وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال : « لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [ المزمل : 20 ] فاستراح الناس » وأخرج أبو داود في ناسخه وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس « في الآية قال نسختها الآية التي فيها عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل : 20 ] » . وقوله إِلَّا قَلِيلًا استثناء من الليل أي صل الليل كله إلا يسيرا منه ، والقليل من الشيء هو ما دون النصف ، وقيل ما دون السدس ، وقيل ما دون العشر ، وقال
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 139 ، وأبو داود في التطوع باب 26 ، والنسائي في قيام الليل باب 2 ، والدارمي في الصلاة باب 165 ، وأحمد في المسند 6 / 54 .